حيدر حب الله

20

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)

النبي ومن لقيه أو رآه ، بقدر ما يهدف إلى ترتيب آثار وردت في النصوص بحقّ من اتّسم بهذا العنوان أو ذاك . من هنا ، لا نوافق على ما ذكره الحرّ العاملي ، من أنّ الصحبة بما هي هي مدحٌ إذا اخذت الصحبة بمعنى اللقاء أو الرؤيا وأمثال ذلك ، إلا على معنى سوف نذكره في آخر هذا البحث فانتظر . نعم هي نعمةٌ على صاحبها أنّه رأى النبيَّ أو لقيه أو لازمه أو جالسه أو تحدّث معه ، أمّا هل تشكّلُ عنصرَ مدحٍ لوحدها بصرف النظر عن سائر العناوين الملحوظة في هذا السياق ؟ فهو أوّل الكلام ، بل المدح يكون على سلوكٍ حسنٍ صدر من الشخص ، ولهذا توعّد القرآن نساء النبيّ - رغم صحبتهنّ - أن يكون عذابهنّ مضاعفاً على تقدير المعصية ، وبهذا كان الاتصال بالنبيّ أشدّ وطأ ومسؤوليّة على أصحابه من عدم الاتصال في بعض الأحيان ، فدعوى أصالة المدح في الصحابي غير مقنعة ، بصرف النظر عن الأدلّة الآتية في تحقيق عدالة الصحابة ، والتي لا يقبل بها الحرّ العاملي نفسه . إذن ، فالمؤرّخ أو المحدّث أو الرجالي يمكنه أن يخترع لنفسه عنواناً مثل عنوان ( الصحابة ) ، ثم يضع تحته أفراداً ، وفقاً لتنظيمٍ خاصّ يرجع إليه ، لكنّ هذا لا ينفع هنا ، فلابدّ من ملاحظة الأدلّة الشرعية وتحليلها لغويّاً ، لا تحليل مصطلحٍ جامعٍ انتزاعي قد لا يثبت ورودُه في دليلٍ شرعي معتبر لترتيب أثر العدالة عليه . وبعبارة أخرى : عدالة الصحابة تعبّر عن حكمٍ بالعدالة منصبّ على كلّ صحابي حسب الفرض ، وهنا لابدّ من الرجوع إلى أدلّة هذا الحكم لمعرفة العنوان الوارد فيها ، والذي رُتّب الحكمُ عليه ، ففي القرآن الكريم رتّب الحكم - مثلًا - على عنوان ( السابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار ) أو على ( المؤمنين المبايعين تحت الشجرة ) ، فإذا كان المدرك في عدالة الصحابة هو هاتين الآيتين فأيّ فائدة من وراء البحث عن تعريف كلمة ( صحابي ) ، وتفكيكها لغويّاً وعرفيّاً ؟ ! بل كيف يمكن ترتيب آثار هاتين الآيتين على كلّ صحابي بالمفهوم الأوسع من مفهوم المهاجرين والأنصار ؟ ! فلينصبّ البحث على عنوان المهاجرين والأنصار مباشرةً ، بدل تطويل المسافة بعنوانٍ آخر .